أحمد بن علي القلقشندي
204
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولا على عامل ، ولا على خطيب ولا على أديب ، ولا على خاصّيّ ولا على عامّيّ . فجمعت - والحمد للَّه على النّعمة فيك - بين التّواضع والتّحبّب ، وبين الإنصاف وقلَّة التّزيّد ؛ فلا يستطيع عدوّ معلن ، ولا كاشح مسرّ ، ولا جاهل غبيّ ، ولا عالم مبرّز ، يزعم أنه رأى في شمائلك وأعطافك - عند تتابع النّعم ، وتظاهر المنن - تغيّرا في لقاء ولا في بشر عند المساءلة ، ولا في إنصاف عند المعاملة ، واحتمال عند المطاولة : الأمر واحد ، والخلق دائم ، والبشر ظاهر ، والحجج ثاقبة ، والأعمال زاجية ، والنفوس راضية ، والعيون ناطقة بالمحبّة ، والصّدور مأهولة بالمودّة ، والدّاعي كثير ، والشاكي قليل ؛ وأنت بحمد اللَّه تزداد في كلّ يوم بالتّواضع نبلا ، وبالإنصاف فضلا ، وبحسن اللَّقاء محبّة ، وبقلة العجب هيبة . وقال سهل بن هارون في دعائه لبعض من كان يعتني بشأنه : « اللهم زده من الخيرات ، وابسط له في البركات ، حتّى يكون كلّ يوم من أيامه موفيا على أمسه ، مقصّرا عن فضيلة غده » ( 1 ) . وقال في هذا المعنى أعشى همدان ، وهو من المخضرمين : رأيتك أمس خير بني معدّ وأنت اليوم خير منك أمس وبعد غد تزيد الخير ضعفا ( 2 ) كذاك تزيد سادة عبد شمس ! قد - واللَّه - أنعم اللَّه عليك وأسبغ ، فاشكر اللَّه وأخلص . محتدك
--> ( 1 ) في العقد الفريد : 6 / 188 « اللهم زده من الخيرات ، وابسط له من البركات ، حتى يكون بكل يوم من أيامه موفيا على أمسه ، مقصرا عن غده » قاله بين يديّ هارون الرشيد عندما دخل عليه وهو يضاحك ابنه المأمون . فقال له الرشيد : يا سهل ، من روى من الشعر أفصحه ومن الحديث أوضحه ، إذا رام أن يقول لم يعجزه ؟ قال : يا أمير المؤمنين ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى . قال : بلى ، سبقك أعشى همدان حيث يقول » . ( 2 ) في المصدر السابق : « وأنت غدا تزيد الضعف خيرا » .